ابن قتيبة الدينوري

118

عيون الأخبار

فظنّت المرأة أنّ النّداء من السماء ، فقالت لزوجها : هذا مقام العائذ ، كان من أخيك ومنّي كيت وكيت ؛ فقال : واللَّه لو حلّ قتلك لوجدتني سريعا ، ففارقها وضرب خيمة على قبر أخيه ، وقال : [ طويل ] هجرتك في طول الحياة وأبتغي * كلامك لما صرت رمسا وأعظما ( 1 ) ذكرت ذنوبا فيك كنت اجترمتها * أنا منك فيها كنت أسوا وأظلما ( 2 ) ولم يزل مقيما حتى مات ودفن بجنب أخيه ، فالقبران معروفان . وقال الأخطل : [ كامل ] المهديات لمن هوين مسبّة * والمحسنات لمن قلين مقالا ( 3 ) يرعين عهدك ما رأينك شاهدا * وإذا مذلت يكنّ عنك مذالا ( 4 ) وإذا وعدنك نائلا أخلفنه * ووجدت دون عداتهنّ مطالا ( 5 ) وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه * نسب يزيدك عندهن خبالا ( 6 ) عن يحيى بن طفيل الجشميّ قال : كان عند رجل من قريش امرأة يحبّها ، فسافر عنها ، فقالت له : أشيّعك ، فشيّعته ثلاث مراحل ؛ فلما مضى قالت لخادمها : ناولني بعرة وروثة وحصاة ، فناولها . فألقت الرّوثة وقالت : راث خبرك ( 7 ) ، وألقت البعرة وقالت : وعر سفرك ، وألقت الحصاة وقالت : حصّ أثرك ( 8 ) ؛ فسمعها رجل على الماء فلحقه ، فقال له : ما هذه منك ؟ قال :

--> ( 1 ) الرمس : القبر ، والميت . ( 2 ) اجترمتها : اقترفتها ، وأسوا : أي أسوأ ، خفّفت همزته لضرورة الشعر . ( 3 ) المسبّة : العار ، وقلين : من القلي : وهو البغض . ( 4 ) المذال : الضجر والقلق . ( 5 ) عداتهنّ : وعودهنّ ، والمطال : من المماطلة ، أي عدم الوفاء . ( 6 ) الخبال : الفساد في الرأي والعقل . ( 7 ) راث : أبطأ . ( 8 ) حصّ : قطع .